سيد محمد طنطاوي
259
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
* ( لا يَتَكَلَّمُونَ ) * أي : لا يستطيع جبريل ولا الملائكة ولا غيرهم الكلام * ( إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَه الرَّحْمنُ ) * منهم بالكلام أو بالشفاعة . * ( وقالَ صَواباً ) * أي : وقال المأذون له في الكلام قولا صوابا يرضى الخالق - عز وجل - . وكون المراد بالروح : جبريل - عليه السلام - هو الرأي الراجح ، لأن القرآن الكريم قد وصفه بذلك في آيات منها قوله - تعالى - : نَزَلَ بِه الرُّوحُ الأَمِينُ . عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ « 1 » . وهناك أقوال أخرى في المراد به ، منها : أنه ملك من الملائكة ، ومنها : أرواح بني آدم . وجملة « لا يتكلمون » مؤكدة لجملة « لا يملكون منه خطابا » والضمير لجميع الخلائق . وقد أفادت الآية الكريمة أن الذين يتكلمون في هذا اليوم الهائل الشديد ، هم الذين يأذن اللَّه - تعالى - لهم بالكلام ، وهم الذين يقولون قولا صوابا يرضى اللَّه - تعالى - عنه . وجملة : « وقال صوابا » يجوز أن تكون في موضع الحال من الاسم الموصول « من » . أي : لا يستطيع أحد منهم الكلام إلا الشخص الذي قد أذن اللَّه - تعالى - له في الكلام ، والحال أن هذا المأذون له قد قال صوابا . ويصح أن تكون معطوفة على جملة « أذن له الرحمن » . أي : لا يستطيعون الكلام إلا الذين أذن لهم الرحمن في الكلام ، وإلا الذين قالوا قولا صوابا يرضى اللَّه ، فإنهم يتكلمون . والمقصود من الآية الكريمة ، بيان أن الخلائق جميعا يكونون في هذا اليوم ، في قبضة الرحمن وتحت تصرفه ، وأنهم لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا إلا بإذنه - تعالى - . واسم الإشارة في قوله - تعالى - : * ( ذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ ) * يعود إلى يوم البعث الذي يقوم الناس فيه للَّه رب العالمين . أي : ذلك اليوم الذي يقوم فيه الخلائق للحساب والجزاء ، هو اليوم الحق الذي لا شك في حدوثه . ولا ريب في ثبوته . والفاء في قوله - تعالى - : * ( فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّه مَآباً ) * هي الفصيحة ، ومفعول المشيئة محذوف . أي : لقد بينا لكم ما يهديكم ، وإذا كان الأمر كذلك ، فمن شاء منكم أن يتخذ إلى ربه مرجعا حسنا وطريقا إلى رضاه ، فليتخذه الآن ، من قبل أن يأتي هذا اليوم الذي لا بيع فيه ولا خلال .
--> ( 1 ) سورة الشعراء الآيتان 193 ، 194 .